الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
227
شرح ديوان ابن الفارض
168 ] ، وقال تعالى : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ [ الأنبياء : الآية 35 ] . فالحسنات والخير بلاء ومحنة وهو البلاء الحسن الذي قال تعالى : وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً [ الأنفال : الآية 17 ] وهو بلاء الأنبياء والأولياء والصالحين . كما جاء في الحديث « أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل » . اه . منعّمة أحشاي كانت قبيل ما دعتها لتشقى بالغرام فلبّت [ الاعراب ] الأحشاء بالمدّ جمع حشى بالقصر وهو ما انضمّت عليه الضلوع ، وقصر الأحشاء للضرورة . و « قبيل » تصغير قبل ، والمراد منه التقريب . و « ما » : مصدرية . والشقاوة خلاف النعيم . ولبّت : أي قالت : لبّيك عند الدعاء . والمراد حسن الإجابة . واللام في لتشقى للعاقبة ، ويجوز كونها لنفس التعليل وهو أبلغ . ومنعمة بالنصب : خبر كان . وأحشاي : اسمها . وقبيل ما دعتها : متعلق بمنعمة واللام في لتشقى متعلق بدعتها . وبالغرام : متعلق بقوله لتشقى . وقوله فلبّت : معطوف على دعتها ، أي كانت أحشائي منعمة قبل دعاء المحبوبة لها للشقاوة فحصل منها التلبية وسرعة الإجابة . وفي البيت المقابلة بين النعيم والشقاوة . [ المعنى ] ( ن ) : يقول كانت أحشائي منعمة مستريحة براحة الغفلة والجهل متلذّذة في الدنيا باللذائذ الوهمية ، وذلك قبل أن تدعوها المحبوبة الحقيقية ، وهذا النداء كناية عن انكشاف نعم اللّه تعالى ومحاسن أفعاله للعبد فإن ذلك يقتضي المحبة من العبد لربّه وهو دعاء ونداء للعبد السالك بأن يحبّ ربّه ، ثم قال لتشقى بالغرام ، أي بالشوق الملازمم . اه . فلا عاد لي ذاك النّعيم ولا أرى من العيش إلّا أن أعيش بشقوتي [ الاعراب ] لا : نافية ، ومن حقها إذا دخلت على الماضي ، وهي نافية أن تكرر ، وكأنها هنا مكررة بمعنى بناء على جعل أرى بمعنى رأيت عدل عنه إلى المضارع للدلالة على التجدّد والحدوث ، وذلك لتعلّقه بالمعيشة وهي مما تتقضى آنا فآنا على أنه قد سمع دخول لا على الماضي غير متكررة قليلا ، قال الشاعر : إن تغفر اللّهمّ تغفر جما * وأيّ عبد لك لا ألما وعلى كل تقدير ففيما قرّرناه من دخولها على الماضي مكررة أو غير مكررة ردّ على الزمخشري حيث ادّعى في تفسير سورة الكافرين أن نفي لا مخصوص بالاستقبال اللّهمّ إلا أن يريد اختصاصها في الأكثر . و « العيش » : الحياة ، أي فلا عاد لي ما كنت فيه من التنعّم بعد دعاء المحبوبة للشقاوة ولا أرى أن في الحياة نوعا إلا نوع المعيشة